يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

512

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

استجاب اللّه دعاء سعيد التقي واستريح من الحجاج الشقي . ويروى أنه أخذه الكزاز على إثر قتل سعيد ، فما زال مكزوزا حتى مات ، وكان يصيح : ما لي ولسعيد بن جبير . وقيل : لما قتل سعيد بن جبير خرج منه دم كثير ، فهال الحجاج ذلك ، فأرسل إلى طبيب فسأله ، فقال : إنك قتلته وهو مستجمع ليس فيه من خوفك شيء . وتوفي الحجاج بواسط في آخر شهر رمضان سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ، وكانت إمرته على العراق عشرين سنة ، وكان رجلا قصيرا صغير العينين ناتئ الجبهة جهير الصوت ، كأن صوته يخرج من شدقيه . وكان سعيد بن جبير رضي اللّه عنه عبدا أسود ، يكنى أبا عبد اللّه ، لرجل من بني أسد بن خزيمة ، قد اشتراه سعيد بن العاص في مائة عبد فأعتقه ، وكان مجاب الدعوة ، يروى أنه كان له ديك في قفص يضعه عند رأسه ، فإذا صاح قام إلى الصلاة ، فاعتلّ ليلة الديك فلم يصح ، فنام سعيد فدعا عليه فقال : قطع اللّه صوتك ، قال : فما صاح بعد ذلك . وكانت أمه تقول له : لا تدعونّ على شيء ، وكان قد فرّ إلى مكة من أجل الحجاج ، وترك امرأته حبلى ، فولدت له غلاما فسمته عبد اللّه ، فلم يره سعيد حتى قدم عليه مكة وقد اخضر شاربه ، ولقي سعيد بن منبه رضي اللّه عنهما بمنى فشكى إليه خروجه من وطنه وخوفه من الحجاج ، وقال له : قد خرجت وتركت جنينا في بطن أمه فما رأيته حتى اخضر شاربه خوفا من الحجاج ، فقال له وهب : إن الصالحين كانوا قبلكم إذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا ، وإذا سلك بهم سبيل الرخاء حزنوا فقالوا : ماذا يريد بنا ربنا ؟ فسري عن سعيد بن جبير . وقال الأوزاعي : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا أحب اللّه عبدا سلط عليه من يظلمه . وقال الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه : إذا أراد اللّه أن يتحف العبد سلط عليه من يظلمه . وقال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : ما أغبط رجلا لم يصبه في هذا الأمر أذى . قلت : يعني عمر رضي اللّه عنه : ما أصاب العلماء والفضلاء من المحن والفتن ، إذ كانوا يؤمرون بأن يقولوا القرآن مخلوق ، ويحملون على سب الصحابة ، وعلى البيعة لمن لا يرضون ، فمنهم من ضرب ، ومنهم من حلق رأسه ولحيته ، ومنهم من سجن ، ومنهم من اختفى وستره اللّه . فممن ضرب سعيد بن المسيب رحمه اللّه ، جلد مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وطيف به ، حتى إن كانت الدور بالمدينة لتغلق كراهية النظر إليه إعظاما له ، وما يسمع فيها إلا بكاء باك ، وبعد ذلك أمر به إلى السجن ، وسبب ذلك أنه لما جاءت بيعة سليمان مع بيعة الوليد بن عبد الملك بن مروان ؛ كره أن يبايع لهما جميعا ، فأمر أن